سرفانتس يستعيد مغارته من الإهمال في الجزائر

هل أن المشرفين على الثقافة في العالم الثالث من أهل القطاع؟، سؤال يتبادر إلى الذهن عندما نقرأ خبر ترميم مغارة في الجزائر سجن فيها كاتب وشاعر عالمي منذ اربعة قرون. الأديب الإسباني ميغيل دي سرفانتس سابيدرا ذاع صيته في أصقاع العالم بروايته “دون كيشوت” التي اعتبرها باحثون وثيقة مهمة حول الجزائر، لكن السلطات الجزائرية تفطنت مؤخرا لأهمية المغارة التي أقام فيها سرفانتس لمدة خمس سنوات.

فضاء لسهر المتسكعين
الجزائر – خصت إسبانيا على أرض الجزائر أشهر كُتابها ميغيل دي سرفانتس سابيدرا، باحتفاليات خاصة بمناسبة مرور 400 سنة على وفاته (1547 – 1616)، فيما تقرر تحويل مغارة سكنها قبل قرون في قلب العاصمة الجزائر إلى متحف للزوار.
وسطرّت بهذه المناسبة العديد من الفعاليات أبرزها؛ ملتقى دولي حول صاحب رائعة “دون كيشوت دي لامانشا”، نظمته السفارة الإسبانية، بالتنسيق مع المعهد الثقافي الإسباني، الذي يحمل اسمه (معهد سرفانتس، كما ينطق في الجزائر)، ووزارة الثقافة الجزائرية.
وجرى ملتقى “ميغيل دي سرفانتس” يومي 15 و16 أكتوبر 2016 بمشاركة وجوه ثقافية وشخصيات رسمية تقدمها وزير الثقافة الجزائري عزالدين ميهوبي وكاتب الدولة الإسباني خوسيه ماريا لاصال.
وانبثق عن هذا اللقاء الثقافي، إعلان السلطات الجزائرية، رسميا عن تحويل “مغارة سرفانتس”، الواقعة بحي محمد بلوزداد (بلكور سابقا) بأعالي العاصمة الجزائر، إلى موقع سياحي وثقافي يضم متحفا خاصا يحتوي على مجموعة من آثار الكاتب والشاعر الراحل سرفانتس.
وأعلن وزير الثقافة عزالدين ميهوبي، في افتتاح الملتقى، عن تحويل مغارة سرفانتس إلى موقع ثقافي وسياحي يجمع أعمال ميغيل دي سرفانتس.
وقال الوزير ميهوبي، إنّ “المغارة التي أقام بها سرفانتس، لسنوات عديدة وهو يسعى للعودة إلى بلده، ستتحول إلى موقع ثقافي وسياحي، وتشتمل على متحف يضم آثار الكاتب”.
وأكدّ الوزير أنّ “هذه المبادرة ستمكن الجمهور الجزائري من التعرف على الكاتب العالمي سرفانتس، واقتفاء آثاره البارزة، وتأتي أيضا تشجيعا للسياحة الثقافية في البلاد”.

متحف يضم نفائس الشاعر الإسباني الأدبية
سنوات من النسيان
تمت تهيئة “مغارة سرفانتس” في 2006، قبل أن تتوقف الأشغال بها لأسباب غير معروفة، وبقيت لقرابة 9 سنوات دون عناية، إلى أن عادت إليها الأشغال في 2016، بحيث أزيلت مختلف الأوساخ والأكواخ الهشة المحيطة بها، في انتظار فتحها أمام الزوار.
وقد كان هذا المعلم لسنوات محل تجاذب وتبادل للتهم بين وزارة الثقافة والبلدية، حتى أقدمت السفارة الإسبانية والمعهد الثقافي الإسباني بالجزائر منذ خمس سنوات، على هامش الاحتفال بالذكرى المئوية لصاحب دون كيشوت، على ترميم المغارة بمساهمة مهندسين معماريين من الجزائر وشركة بترولية إسبانية تعمل في الجزائر. وقد أحدثت الخطوة يومها الكثير من الجدل في وزارة الثقافة التي اعتبرت الأمر مساسا بسيادة المعلم الخاضع لوصايتها.
وينتقد المهتمون بالشأن الثقافي السلطات الجزائرية بسبب إهمال هذا المعلم التاريخي والذي كان من الممكن أن يكون رافدا من روافد السياحة لو تم الاهتمام به والسعي إلى تسجيله على لائحة التراث العالمي لما للشاعر الإسباني من مكانة في الأدب العالمـي.
ويرى هؤلاء أن تحويل المغارة التي تطل على ميناء العاصمة الجزائرية إلى متحف يجعل منها مزارا يقصده كل محبي سرفانتس من إسبانيا وأميركا اللاتينية والعالم وبذلك يتحول إلى قطب ثقافي وسياحي، وذلك من خلال الحفاظ على هندسة المكان عند الترميم وتأسيس مركز توثيق لأدب سرفانتس يؤمه الباحثون والكتاب الذين يشتغلون على الأديب العالمي.
وتعدّ المغارة واحدة من معالم أثرية كثيرة تحتويها العاصمة الجزائر، تستلقي في خضرة غابة خضراء، وتطلّ شامخة على المتوسط، وتسرد جدرانها ذكريات حرب وأسر ومعارك لحنّها سرفانتس، الذي مكث بهذه المغارة أسيرا خمس سنوات. ورغم محاولته الفرار إلى بلده إلا أنه لم يفلح، لكن نجح في أن يكتب أشهر رواية إسبانية في العالم “دون كيشوت”.
وأصبحت المغارة بوجه مغاير لما كانت عليه في السابق، فلا أوساخ ولا قمامة تلف المكان، ولا وجود للمنحرفين الذين جعلوه لوقت قريب وكرا يمارسون فيه طقوسهم السلبية.
استعداد لاستقبال الزوار
تشهد مغارة سرفانتس حاليا، أشغال ترميم واسعة مسّت مختلف أجزائها خاصة الغرفة الكبيرة التي يبلغ طولها 7 أمتار وعرضها مترين، وبعض الغرف الصغيرة، التي تشكل منحوتات أثرية تكونت بفعل الطبيعة، إلى جانب حديقة صغيرة تزينها بعض الأشجار وأدراج مؤدية إلى الغابة.
وتستعد هذه المغارة بعد ترميمها إلى فتح أبوابها لاستقبال الزوار قريبا، لكن لم يحدد تاريخ ذلك بعد.

في انتظار الحلة الجديدة للمغارة المتحف

وتوجد ثلاثة نصب تعريفية بالمكان، إضافة إلى اللافتة التي تشير إلى اسم الموقع، فالأولّ يتضمن مقتطفا من “حكاية أسير الفصل الـ41، للعبقري النبيل دون كيشوت دي لامانشا، لميغيل دي سرفانتس” يقول فيه “والذي سألني بلغة مستعملة في كل البلاد البربرية وحتّى في القسطنطينية، بين الأسرى والموريسكيين، لا هي بعربية ولا هي بقشتالية ولا لغة أيّ بلاد أخرى، ولكنّها خليط من كلّ ذلك وبفضلها كنّا نتواصل ونفهم بعضنا البعض”. أمّا النصب الثاني، فيحمل نبذة تعريفية عن دي ميغيل سرفانتس، وتاريخه في الجزائر، وهو عبارة عن تحفة أثرية تحوي أسفلها نبع ماء.
ويقول الخبير في الآثار والتراث الجزائري بشير صحراوي، إنّه “بالنظر إلى الوضعية الحالية التي تشهدها المغارة لا يمكن الجزم بأنها ستتحول فعلا إلى موقع سياحي وثقافي نظرا للغموض السائد حولها”.
وأوضح صحراوي أن “الأجدر بوزارة الثقافة أن تهتم بمغارات العلامة الراحل عبدالرحمن بن خلدون، الموجودة في مدينة فرندة بمحافظة تيارت (غرب)”.
وأشار المتحدث إلى أنّ ابن خلدون، يعتبر بمثابة المؤسس الأول لعلم الاجتماع، ألّف كتابه الشهير “المقدمة” داخل واحدة من هذه المغارات.
وينتقد صحراوي سعي وزارة الثقافة لتحويل مغارة سرفانتس إلى موقع سياحي وثقافي يضم متحفا خاصا بأعمال الكاتب الإسباني الشهير، قائلا “كما هو الحال مع منتزه قمة لالة ستي، بمدينة تلمسان (غرب)، التي أخذت مكان ضريح ومسجد الولي الصالح سيدي بومدين الغوث”.
ومن جانبها، أكدت الباحثة الإسبانية أدريانا لعسل، أن الجزائر تعدّ البلد الوحيد الذي يحوي آثارا ملموسة حول سرفانتس، وأبرزها المغارة.
ولفتت أدريانا لعسل، على هامش ندوة بعنوان “سرفانتس والجزائر”، إلى أن “سرفانتس، لا سيما روايته ‘دون كيشوت دي لامانشا’، ومؤلفاته الأخرى، تعتبر وثيقة مهمة حول الجزائر، في الفترة التي اعتقل فيها من 1575 إلى غاية إطلاق سراحه في 1580”.
ولم تخف المتحدثة، أنّ سرفانتس كتب عن المرأة الجزائرية وعن لباسها وذكر ذلك في روايته “دون كيشوت”، إنها “ترتدي لباسا لا تظهر من خلاله، وكان زوجها لا يمكنه التعرف عليها”.
وأوضح الباحث الإسباني رافائيل فالنسيا، أنّ “الفترة التي قضاها سرفانتس في الجزائر، كان إبّانها العالم أكثر فظاعة مما نعيشه اليوم، بالرغم من أن معظم البلدان العربية تعيش في حروب”.
وقال إن “سرفانتس، جاء إلى الجزائر ليس كسائح في القرن الـ16، بل كأسير”.

استفاقة متأخرة في انتظار أن تشمل ابن خلدون

وحسب ما ذكر في المصادر التاريخية، بدأت حكاية ميغيل دي سرفانتس، مع الجزائر، عندما منحه الجيش الإسباني إجازة ليعود إلى بلده قادما من إيطاليا، لكن في طريق العودة حاصرته ثلاث سفن جزائرية قبالة سواحل مرسيليا بفرنسا، يقودها قائد البحرية العثماني دالي مامي، وتم أسره رفقة أخيه رودريغو، في 1575.
وبسبب ما كان يحمله سرفانتس، من خطابات توصية للملك من شخصيات عدة، ظنّ مامي دالي، وطاقم الأسطول الجزائري أنّ سرفانتس شخص مهم، وطلبوا فدية لإطلاق سراحه، وبعد مكوثه في الأسر لأكثر من أربع سنوات، قدم قسيسان إلى الجزائر ومعهما مبلغ من المال لفدية سرفانتس، إلا أنّه في النهاية تم الإفراج عن شقيقه رودريغو.
وبقي سرفانتس في المغارة إلى أن اشتراه في 1577، داي الجزائر آنذاك حسن (الحاكم العام للجزائر)، وبعدما رأى تمتعه بالشجاعة ورباطة الجأش صفح عنه. وبعث سرفانتس برسالة إلى حكومة إسبانيا في تلك الفترة للقيام بحملة بغية الاستيلاء على الجزائر وتحريره أيضا، وهي الفكرة التي رفضتها السلطات الإسبانية.
وبقي سرفانتس بين الأسر ومحاولات الفرار الفاشلة إلى أن جمعت والدته وتجار مسيحيون في الجزائر مبلغ الفدية المتفق عليه، وقدر وقتها بـ500 أوقية ذهب، فأطلق سراحه في 19 سبتمبر 1580.
وخلال عودته إلى موطنه الأصلي كتب في 1605، الجزء الأولّ من رائعته “العبقري النبيل: دون كيشوت دي لا مانتشا”، وأتى جزؤها الثاني في 1615، بعنوان “العبقري الفارس: دون كيشوت دي لا مانتشا”.
وحضرت الجزائر في أعمال سرفانتس الأدبية وصوّر ما عايشه في الحرب والأسر في “دون كيشوت”، رغم أنّ قلمه لم يخط كلمة واحدة من رواياته في الجزائر أو في المغارة التي سكنها خمس سنوات، غير أنّ نص “حكاية الأسير” يعكس بصورة كبيرة وواضحة قضية أسر سرفانتس، التي قدمها بخيال أدبي مع تغيير بعض الشيء في مجرى الأحداث والمكان.
المصدر: جريدة العرب

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا