في الجزائر «استقال» عمار سعداني أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني (الذي يسمى بهتانا الحزب الحاكم) بعد أسبوعين من تصريحات نارية وغير مسؤولة، أطلقها بحق عدد من رجال الدولة والجيش.

كانت تصريحات شتم فيها البعض وأشاد فيها بالبعض الآخر، لكنها في نهاية المطاف كانت كلها مهينة ومسيئة، له ولمن استهدفهم. حتى للذين أشاد بهم الرجل، لأن الثناء من سعداني في حد ذاته مذمة.

«الاستقالة» كانت منتظرة وضرورية. بل هناك أنباء عن أنها كانت جاهزة منذ السادس من هذا الشهر، أي منذ اليوم الذي أعقب تصريحاته «الشوارعية».

سقوط سعداني هو نهاية فصل من مسرحية كُتب على الجزائريين أن يعيشوا تفاصيلها. أراد الرئيس بوتفليقة أن يتخلص من مدير جهاز المخابرات، اللواء محمد مدين الملقب بـ»توفيق»، منذ سنوات، فقلّم أجنحته شيئا فشيئا حتى جعله عاجزاً عن الحركة. ثم أطلق عليه سعداني ليهينه بتصريحات خطيرة، بعضها تشكيك في شخصه وبعضها الآخر في كفاءته. عندما ابتلع مدين الجرعة وأحس بالألم، كان الوقت قد فات واكتشف أن ايامه انتهت إلى أن وصله نبأ إحالته على التقاعد كأي موظف آخر في الدولة وكأنه لم يكن يوما ذلك الرجل الشبح الذي «يحيي ويميت».

نهاية مدين كانت إيذانا بنهاية سعداني أيضا لأنه كان قد أدى ببراعة المهمة التي أوكلت له، فوجب التخلص منه وإلا يصبح مزعجا وثقيلا على الزمرة الرئاسية.

تركيبة نظام الحكم في الجزائر لا تسمح لرجاله بمد أرجلهم طول الوقت، ولا تسمح لهم إلا بمهام محدودة في ظروف محددة. لا وجود لمهام مفتوحة زمنيا ومطلقة بلا حدود أو قيود.

بيد أن سعداني لم يفهمها هكذا، بل اعتقد أن ما فعله في مدين يزيد حظوته وقوته باعتباره منفذ المهمة القذرة المستحيلة.

سعداني لم يستوعب هذه الرسالة لأنه دخيل على نظام الحكم، وصل إليه بمصادفة عرجاء، جاهل بأساليبه. ثم خانه مستواه العلمي وذكاؤه السياسي، فالرجل عاش شبابه «طبّالا» في فرقة موسيقية بجنوب البلاد، ثم نقابيا، ولم يشتهر يوما بأي إبداع علمي أو سياسي أو إداري.

جزء من طبيعة الرئيس بوتفليقة الشخصية، وبسبب ما تعرض له من إهانة بعد تنحيته من وزارة الخارجية في بداية الثمانينيات، أنه لا يقبل إهانة رجال الدولة أمام الملأ مثلما فعل سعداني قبل أسبوعين. بوتفليقة له طريقته الخاصة في الانتقام: يهين خصمه على انفراد ثم يترك الرسالة تصل إلى من يهمهم الأمر لكي يستوعب كل طرف الدرس المطلوب.

ما فعله سعداني هو العكس تماما. كان عنيفا ومتهوراً يفتقد إلى اللباقة والحكمة. ثم تجاوز السيل الزبى في الخامس من هذا الشهر، عندما عاد بلا ضرورة سياسية، ليهين مدين وعبد العزيز بلخادم ويوجه لهما اتهامات خطيرة أساءت للرئيس ذاته وللدولة ولمنتسبي النظام ولثقافة الدولة.

لهذا حقّ أن تسري فيه طريقة بوتفليقة مع خصومه. (قد يقول قائل إن بوتفليقة مريض وعاجز، لكن الأمر لا يتعلق بالشخص ذاته بقدر ما يتعلق بثقافة أرساها وهناك من حوله من يحميها). طُلب من سعداني أن يستقيل ويخرج من الباب الضيق لأنه انتهك الأعراف. ولكي يخرج من الباب الضيق، كان لا بد من:

ـ أن يترك الأمانة العامة للحزب بلا انتخابات، حتى لا يُمنَح شرف المنافسة.

ـ أن يبتعد عن المنصب بلا صراع (كما جرت العادة في هذا الحزب) حتى لا يتحوَّل إلى بطل «راح ضحية مؤامرة داخلية».

ـ أن يستقيل على الملأ (بث تلفزيوني مباشر).

ـ أن يقول إنه «يستقيل» لأسباب صحية، بينما القاصي والداني يعرف أنه غير صادق وأن الأسباب الصحية هي آخر أسباب الاستقالة.

ـ أن يكشف للناس فوراً خليفته، حتى لا يبدو لوهلة واحدة أن «استقالته» قد تعرقل سير الحزب أو تسبب مشكلة قيادة.

كانت تلك طريقة بوتفليقة في إبعاد رجل لا أحد يعرف كيف وصل إلى ما وصل إليه في ذلك البلد. ومن سخرية القدر أن الذين كانوا في الاجتماع الحزبي الذي أعلن فيه «استقالته» ينادون باسمه مثل مشجعي ملاعب كرة القدم، هم ذاتهم هللوا لخلفه بالحماس نفسه خلال أقل من عشر دقائق.

تلكم طريقة «مناضلي» جبهة التحرير، وُجدوا من أجل أن يكونوا أدوات في أيدي الحاكم الحقيقي، يُؤتمرون فيستجيبون.

اليوم، يبدو أن الرسالة وصلت وباتت واضحة: بوتفليقة أطاح بمدين مستعملا سعداني، فاستوعب مدين الدرس. ثم تخلص (بوتفليقة) من الأداة (سعداني) لكي يلقنه درسا. واطمأن مدين أنه في المرحلة الحالية والظروف الراهنة لن يتعرض إلى أكثر من الإبعاد، لأن إقالة سعداني هي نوع من رد الاعتبار لمدين.

الأكيد الآن أن الحياة السياسية في الجزائر، من دون سعداني، ستكون أقل تلوثا وأقل عنفا. ستعود إلى فتورها وعقمها بلا مسرحيات وبلا أوهام عن وجود حركية ونشاط ومعارضة وصراع أفكار.
٭ كاتب صحافي جزائري

توفيق رباحي

Oct 25, 2016
http://www.alquds.co.uk/?p=618804