برغم هدوء الأوضاع في بجاية وبومرداس وبعض المدن التي شهدت أعمال شغب وتخريب محدودة، لم تتوقف تصريحات الوزراء التي تتهم "أياد خارجية" بتحريك الاحتجاجات تارة وتتوعد تارة أخرى، وكأن الأمر قد حُسم وتم تحديد هذه "الأيادي الآثمة" التي تقف وراء كل صيحةٍ في الجزائر.
الجزائريون بلغوا مستوى من الوعي جعلهم يرفضون أيّ مغامرة جديدة، وهذه قناعة ترسّخت منذ عقود في أذهانهم، وهم ليسوا بحاجة إلى التصريحات السّطحية من الوزراء ليدركوا خطورة السّقوط في متاهات العنف والتخريب، خصوصا تلك التي تربط ما حدث بمنشور فيسبوكي عمره ثلاث سنوات، وهل بلغت الجزائر هذا المستوى من الهوان ليهزّها منشورٌ فيسبوكي مهما كان صاحبه؟!
كان على هؤلاء الوزراء أن يشخّصوا الأسباب التي أدت إلى انحراف الحركة الاحتجاجية إلى العنف والتّخريب والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، وأن يعودوا إلى المتخصِّصين ليفهموا نفسيات هؤلاء الشّبان الذين عبَّروا عن أنفسهم بهذه الطريقة العنيفة، ولماذا عجز أكثر من ستين حزبا معتمدا، وأكثر من مائة ألف جمعية وطنية ومحلية عن استيعاب هؤلاء وتنظيمهم وإدماجهم اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا؟
المشكلة أنّ الوزراء الذين يرفعون منذ سنوات شعار "الأيادي الخارجية" في مواجهة الأزمات، تجاهلوا كل أسباب استقالة المواطن من وظيفته الاجتماعية في توعية وإعداد الجيل الجديد من الشّباب، واتّخذ هؤلاء الوزراء من "الأيادي الخارجية" مشجبا لكل إخفاقاتهم، ليكون الشّغل الشّاغل لهم هو البحث عن "الأيادي الخارجية" بدل معالجة العلل المركّبة التي يعانيها المجتمع!
ما حدث من أعمال شغب ليلي لا يرقى إلى أن يكون في مستوى كل هذا التهويل من التّصريحات، وهل بقي في الجزائر من يؤمن بشيء اسمه "الربيع العربي"، أو "ثورة جياع" أو غيرها من التعابير التي تحاول بعض الفضائيات أو الصحف الأجنبية توظيفها في سياق الحديث عن الجزائر؟
ومع ذلك، فإنه من الخطأ التصرّف بطريقة النّعامة إزاء الخطر المحتمَل من الخارج، غير أن أحسن وسيلة لقطع أيّ "أياد خارجية" تمدّ يدها إلى الجزائر هو تقوية الجبهة الداخلية، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة المنتخَبة والأحزاب السياسية والمجتمع المدني... عندها لن تجد "الأيادي الخارجية" التي يتحدث عنها الخطاب الرّسمي بقوة أي باب تدخل منه.