يبدو لي أنه علينا ألا نُكرِّر الخطأ الذي ارتكبناه في بداية التسعينيات.. عندما اشتدّت الأزمة الاقتصادية وبِتنا على مفترق طرق من التحوُّل في السلطة في بلادنا، بَدَل أن نُفكِّر اقتصاديا فَكَّرنا سياسيا. اعتقدنا أن التعدُّدية السياسية هي أفضل خيار لبلادنا، وسِرنا في هذا الاتجاه، وحدَث ما حدَث.. في الوقت الذي كان علينا أن نُفكِّر اقتصاديا وأن نبحث عن الحلول الأنجع لتطوُّرنا وكيفية سدِّ الثغرات التي أحدثها نمط التنمية السابق، ثم بعدها نربط التحوُّل السياسي والتعدُّدية الإعلامية بدرجة التطوُّر الاقتصادي والاجتماعي الذي ستعرفه البلاد.
لم نقم بذلك، وكلُّ ما نعيشه اليوم من مشكلات وأزمات هو نتيجة هذا الخطإ. وعلينا ألا نَسمح بتكراره اليوم ونحن نعيش نهاية مرحلة من تاريخنا المعاصر وبداية أخرى.
الكل يعلم أن الجيل الذي حَكَمَ البلاد منذ استعادة الاستقلال قد وصل إلى نهاية حقبته طبيعيا، أخطأ أو أصاب سيحكم عليه وعلينا التاريخ، المهم اليوم أن هناك تحولا قادما في السلطة لا محالة في أقرب الآجال، وأمامنا خياران، إما تكرار تجربة بداية التسعينيات بإعطاء الأولوية للجوانب السياسية وفتح المجال للصراع حول السلطة بكل ما يَتبَع ذلك من حروب إعلامية ربما تصل إلى درجة التخويف والتخوين... أو الاستفادة من أكثر من رُبع قرن من التجربة، ومصارحة الجزائريين بأن التحدي الأكبر في جزائر الغد هو تَحدٍّ اقتصادي وأمني بالدرجة الأولى، وعلينا ألا نفكر في البرلمان أو الحكومة أو في أيٍّ من الأحزاب سينتصر على الآخر إنما في أي نموذجٍ اقتصادي أفضل للبلاد، وأي خيارات ينبغي أن نختارها في مجال التنمية وتعزيز الأمن الوطني، وبعدها، وتبعا لذلك في أيِّ شكل سياسي ملائم للمرحلة القادمة وفي أيِّ نوع من الرجال والنساء سيسيِّرونها... وبكل تأكيد لن يكون هذا الشكل سوى وطني بامتياز تحت عنوان واحد هو بناء الوطن والعودة إلى العمل ووضع حد للفساد بعيدا عن كل تهريج سياسوي أو اتهامات من هنا أو هناك.. فالكل يعرف الكل والحقيقة يعرفها الجميع، ولا داعي لإعادة النبش فيها.
إن الساعة اليوم هي للعمل وليست للسياسة، لبناء الوطن والتضحية من أجله لا للعراك حول مَن يحكمه... ذلك أن إعلانها معركة بيننا من الآن ومستقبل الوطن مُهدَّد، يعني شيئا واحدا: أننا بعد حين من الصراع قد لا نجد الوطن الذي من أجله نَتصارع.
إنها حقيقة ينبغي أن نقولها، لقد كِدنا نفقد وطنَنَا نتيجة خيار خاطئ منذ أكثر من ربع قرن، ودفعنا الثمن غاليا، ولولا حِفْظُ الله تعالى لاندثَرَ الوطن بمن فيه، فلا نعيدها ثانية، ولنعمل على تحقيق الأمل الذي من أجله ضحّى الشهداء.