قدّمت الباحثة الجزائرية جميلة مصطفى الزقاي، ورقة بحثية بعنوان: «أيّ قطيعة معرفية أودت به للاغتيال؟» وهذا خلال الندوة التطبيقية الأولى من الدورة التاسعة لمهرجان المسرح العربي «عزالدين مجوبي»، لاستذكار شهيد المسرح الجزائري بحضور أرملته أمينة.

استرسلت الباحثة خبيرة لدى الهيئة العربية للمسرح، في مداخلتها قائلة، هي إشكالية ليست باليسيرة، موضّحة أنّها سألت وتساءلت واستفهمت الكثير من القصاصات والكثير من الوقفات الإعلامية علّها تجد جوابا مقنعا وما وجدته إلا في ذات هذا المبدع.

قالت إنّ «عزالدين مجوبي إسما التصق بعديد الأعمال المسرحية التي شارك بها ممثلا ومخرجا وكاتبا وهو أحد ممثلي وفناني جيل الاستقلال من المسرحيين الجزائريين، عاش للمسرح وعايشه بدمه وروحه وبكل جوارحه فسكنه وتقبل ضيافته في السراء والضراء إلى أن استشهد أمام الباب الجانبي لمبنى المسرح الوطني».

وهنا استنتجت أنّ «من أهم الأسباب التي أودت مجوبي إلى الاغتيال أنّه تقلّد منصب مدير المسرح الوطني محي الدين بشطارزي بأوقات عصيبة جدا كانت تجتازها الجزائر آنذاك، فسلط الإعلام عليه الأضواء الكاشفة التي جعلته بالواجهة، فأصبح محط أنظار الأصدقاء والأعداء، ناهيك عن وفائه لمبادئه والتزامه بها».

كما شاطرت نفس المتحدّثة رأي الفنان عبد الحميد رابية في القول: «كان المسرحي الراحل فنانا تقدميا طلائعيا، وهذا ما جعله يلبس هموم مجتمعه ويركّز على الجانب الإنساني التي نضحت به الأعمال التي كتبها وأخرجها أو ساعد في إخراجها».

وعن امتهانه للإخراج وإيثاره له من خلال مسرحية «غابو الأفكار»، أشارت إلى أن الفقيد كان تكوينه بالمعهد العالي للفنون ممثلا ولم يكن بباله القيام بالإخراج، لولا الضرورة التي ألحّت عليه الاضطلاع بهذه المهمة الشائكة بسبب كثافة برنامج المسرح الوطني، بحسب نفس المتحدّثة، التي عقبت «لكنه جاء بعد تجربة طويلة مفكّر فيها ولم يأت عشوائيا وهذا ما أسهم في غنى معرفته».

واستدلّت على هذا بما جاء في حوار أجراه معه الباحث شريف لدراع، قال حينها عزالدين مجوبي: لم أفكّر يوما في الإخراج لكن الضرورة ألّحت عليّ ذلك. مع العلم أن مجوبي كان مساعد مخرج لـ «زياني شريف عياد» لأكثر من مرة، بحسب نفس الباحثة.

وهو ما جعلها تؤكّد من جديد بأنّ «ممارسته لهذه التخصصات جعلته يُؤْثر الإخراج ولم يكن يهمّه في العمل المسرحي ذاته الذي يشارك به موضوعه ولا مكانه أو زمانه، تتحدث زقاي بلسان مجوبي، «ما يهمّني على الخصوص هو الجانب الإنساني وأنا أغوص أكثر في العواطف والسلوكات والأحاسيس العميقة لهذه الشخصيات».

وعلى ضوء ذلك، استنطقت بعض الممرات في أعماله، التي عبّرت عن قدرته الفائقة في تجسيد هموم البسطاء والمكافحين الذين عبر عن لحظات خوفهم وقلقهم وما كان يراودهم من خوف إزاء ما أتى به النظام الإشتراكي من تحول إلى ما يشبه الليبرالية.

وقد تداول على منبر الجلسة الأولى والثانية كوكبة من الممارسين المسرحيين الجزائريين، منهم، الناقد والمسرحي الجزائري عبد الناصر خلاف، الذي أكّد في ورقته التاريخية التي قدمها بعنوان «اسمي عزالدين مجوبي... فصيلة دمي» أنه عاش وجع الوطن ثم رحل في صمت...»

وقال متحدثا باسمه: التحقت بالمسرح الجهوي وحين استقال الدكتور مخلوف بوكروح من مؤسسة المسرح الوطني الجزائري، استدعوني لأكون مديرا لهذه المؤسسة، هذا بقرار من وزير الثقافة سليمان الشيخ في شهر ديسمبر 1994.

وتابع خلاف ما ذكره مجوبي بقوله: «لم آت للمسرح الوطني كي أعطي الأوامر والتعليمات وأنا جالسا وراء المكتب، بل جئت لمشاركة الجميع في العمل المسرحي من خلال تصورات وأفكار ونصائح وتوجيهات، تنصيبي على رأس هذه المؤسسىة مهمة مؤقّتة لا أريدها أن تطول. وجدت المسرح في حالة مزرية، بدأت أشتغل في صمت ولكن بالتشاور مع الفنانين والإداريين والممثلين والإعلاميين، موقفي دائما عدم البوح بما أحضّره، لا أحب استباق الأحداث، بل أفضل الإفصاح عن كل شيء في أوانه».

أضاف بنبرة مغايرة: شيء ما حدث لي اللحظة وأنا أخرج من الباب الخلفي لمؤسسة المسرح الوطني الجزائري بعد جلسة عمل طويلة حول إعادة مسرحية للأطفال، فجأة من حيث لا أدري شيء يلهبني لا أسميه ولا أعرف كيف أسمّيه، شيء أقوى من أقدامي التي حملتني على الخشبة.

واصل خلاف على نفس المنوال: شيء أقوى من صوت البركان الذي دوّى في العيطة وفي الحافلة تسير وشهداء يعودون هذا الأسبوع، لكن هذا الشيء لم يستطع أن يسرق بسمتي، لا أملك سوى الدم والبسمة كي أواجهه، هذا هاهو دمي فصيلة دمي مسرح...

وهي مقتطفات من الورقة التي قدّمها «مخلوف» بحب وآلام تداخلت مع بعضها، عبر مشاهد ومحطات من مسار عزالدين مجوبي، نقل من خلالها الحضور والمشاركين إلى عالم مجوبي الحاضر بروحه بالمهرجان العربي للمسرح.