البلبلة التي تعرفها الأمة الإسلامية في هذا الشهر الفضيل ينبغي أن ننظر إليها كأزمة جديدة دافعة لميلاد وعي جديد وهِمَّة حقيقية لدى كل فرد فينا للعمل من أجل تحقيق نهضة فعلية طال انتظارها منذ نهاية القرن التاسع عشر.. ينبغي أن لا تُعدّ أبدا انتصارا آخر للأعداء وتقويضا لمسار خط تصاعدي، بدأ بكل المصلحين مشرقا ومغربا وبكل الثورات التي عرفتها تلك الرقعة الواسعة من بلاد الإسلام وأشرفها الثورتان الجزائرية والفلسطينية.
صحيح أن هناك من يعمل ليل نهار لِمنع وحدة كلمتنا ورص صفوفنا وإقامة تكاملنا مستخدما كافة الوسائل، مِن الصراعات المذهبية والطائفية والعرقية، إلى الانقسامات السياسية والصراعات الدموية حول السلطة والحكم واحتكار الثروة... إلا أن هذا ينبغي أن لا يجعلنا ننسى كل هذا الوعي المتنامي لدى ملايين الناس عبر كافة البلاد الإسلامية بحقيقة من يعمل لأجل مواصلة الجهد النهضوي الحقيقي الفكري والاقتصادي والتحرري ومَن يُساعد الآخرين على تقويضه.
لقد مكنتنا المحن بالفعل من الفرز بين العلماء والساسة ورجال الفكر الرساليين الذين يضعون المصالح العليا للشعوب الإسلامية فوق كل اعتبار، وأولئك الذين يسايرون السياسات الجائرة التي تتسبب في إزهاق أرواح الأبرياء وتُساهم في تبديد أغلى الثروات... ولا تزال المِحن تُعلِّمنا إلى اليوم وتُحدِثُ لدينا التراكم بعد الآخر في الإدراك والوعي لنستخلص الدرس ونصل إلى النتيجة التي لن تكون سوى قمة المعرفة بالطريق الصحيح الذي ينبغي أن نواصل السير فيه من أجل تحقيق الغاية التي شرع فيها الأوّلون بإخلاص وتفان وضحُّوا من أجلها.
ألا نعرف اليوم من يقتل المسلمين أو يُساهم في قتلهم بالمال والعتاد أو الفتوى، ومَن يُبدِّد ثرواتهم، ومن يعمل على تفقيرهم، ومن يتآمر على قضيتهم المركزية فلسطين، ومن يُكرِّس الحكم التسلطي أو العائلي أو القبلي عليهم، ومَن يَمنع علماءهم وكفاءاتهم من أن تحتل مواقع الصدارة؟ بكل تأكيد نكاد نتفق جماعيا على ذلك صراحة وضمنيا، ونكاد نعرف طريق الخلاص من ذلك، ولولا التضليل الإعلامي المدروس، والتلهية المستمرة بالقضايا الفرعية، والأزمات المصطنعة، لبدا جليا للعيان وفي الميدان انتصار المنهج الوسطي، القادر على إيجاد الصيغة المثلى لما ينبغي أن تكون عليه حضارة الإسلام في القرن الحادي والعشرين وما بعده، الحاملة حقيقة لأكثر من إجابة لتحديات العصر ومشكلاته الأساسية.
لذا علينا اليوم النظر لكل ما نعرف من تحديات وأزمات ضمن مسار تقدُّمنا لا ضمن مسار انحطاطنا، فتاريخ نهضتنا بدأ قبل أكثر من قرنين من الزمن وينبغي ألا يتوقف، تلك سُنَّة كونية ينبغي أن لا تُنسينا إياها هذه المحن المتتالية، وعلى الوعي المتراكم أن يهزم المحن المتعددة في آخر المطاف.