لا توجد فلسفة اقتصادية تقدم رؤية متوازنة للاقتصاد مثل ما تقدمه الشريعة الإسلامية، فقد تهتم هذه الفلسفات بالتخطيط الاقتصادي الهيكلي الآني والمستقبلي والاستشرافي بما يضمن استمرار العجلة الاقتصادية ومعها الحياة البشرية، ثم تقف المهمة الاقتصادية في هذه الفلسفات عند هذا الحد، أما الشريعة الإسلامية فإنها تتجاوز التخطيط الاقتصادي الآني والمستقبلي والاستشرافي لتجعل من العملية الاقتصادية مهمة شاملة بأبعادها العقدية والاجتماعية والاقتصادية.
لذلك، لا ينبغي أن نستغرب بعض التحذيرات التي يوجهها القرآن الكريم للحفاظ على مصادر الاقتصاد الأولى التي تتصل بالشأن الحياتي والمعيشي، ومن شاكلة هذه التحذيرات قول الله تعالى: "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" وقوله تعالى أيضا: "ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا".
من عندهم قصور في النظر واستيعاب مقاصد القرآن يستغربون ويستهجنون ربط القرآن الكريم مسألة معيشية بمسألة عقدية، ويقولون: ما دخل التبذير كسلوك إنساني اجتماعي سلبي بقضية الإيمان والكفر؟ والحقيقة أن هؤلاء يجهلون أو يتجاهلون الكليات المقاصدية الخمس التي تمتاز بها الشريعة الإسلامية، التي تشمل حفظ النفس، وحفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ المال، وحفظ النسل، فكل هذه الكليات مترابطة ومتكاملة يكمل بعضها بعضا، وكل إخلال بواحدة منها هو إخلال بالضرورة بالكليات الأخرى.
إن الاعتدال المعيشي من غير تقتير ولا تبذير هو أمر في غاية الأهمية، لأن التجارب الاقتصادية أثبتت أن مخطط تدمير الإنسان يمر حتما من خلال تدمير التوازنات التي تقوم عليها الحياة الإنسانية، وفي مقدمتها الحرص على الضرورات وحتى الكماليات ومحاربة كل مظاهر التبذير التي يمكن أن يؤدي تكاثرها وتراكمها إلى إفساد الحياة الإنسانية وما يرتبط بها من النواحي الاجتماعية والاقتصادية وغيرها.
إن التقارير الاقتصادية العالمية تشير إلى أن الإسراف المالي والمعيشي يتسبب بطريقة أو بأخرى في خسارة اقتصادية معتبرة يمكن أن تفضي في حالة استفحالها إلى العجز الاقتصادي أو تكون على الأقل عاملا حاسما في حدوثه، وبخاصة في ظل الأزمات الاقتصادية، ومن الضروري أن أعرج على الحالة الجزائرية، حيث إننا في الجزائر نعاني ومنذ مدة وفي ظل غياب التوعية الاجتماعية والدينية من ظاهرة التبذير العام الذي تزداد حدته وتتسع دائرته باستمرار، وأصبح يطبع حياتنا العامة والخاصة على حد سواء، وبخاصة في شهر رمضان، فأينما أرجعت بصرك في شوارعنا رأيت أكياس الخبز وكل المأكولات مرمية في القمامة، وحتى في الطرقات يطأها الناس، مما ينمُّ للأسف عن غياب الحس الديني والحضاري والثقافة المجتمعية، سلوكاتٌ لا نلقي لها بالا وهي تشكل وبالا حقيقيا على المجتمع.
إن مظاهر التبذير العام في مجتمعنا تتنافى مع عبادة الصيام، فإذا أردنا أن نخلص في هذه العبادة فلنهرع إلى محاربة التبذير بكل أشكاله، وهي الخطوة الأولى الضرورية للقضاء على الأزمة الاقتصادية التي نواجهها.