سكوتنا اليوم عما يتعرض له الفلاح من خسائر نتيجة تدني أسعار منتجاته هو في حقيقة الأمر جزء من سكوتنا عن كلِ ما يرمز للإنتاج في هذا البلد، سواء أكان غذاءً أم صناعةً أم أفكارًا... سلطة الاستهلاك هي الغالبة، وقيمة الإنتاج هي التي تعرف تدهورا مستمرا في كافة المجالات، وعلينا أن نُصحِّح هذه المعادلة إذا أردنا أن نَسلُك الطريق الحقيقي نحو التقدم...
أبدا ما قام مجتمع على الاستهلاك، وإن بدا ظاهرا أنه في حالة رخاء من خلال الاستيراد. إنما يقوم المجتمع ويتطور بالإنتاج وبنوعية هذا الانتاج ووفرته على كافة المستويات. وإذا ما تم كسر هذه المعادلة فقد تم كسر كل مقومات التقدم.
ونحن لا نريد أن نرى ذلك يتكرس في بلادنا إن في عالم الأشياء كالمنتجات الفلاحية والصناعية، أم في عالم الأفكار كما هو في التكوين والإبداع والابتكار والخدمات، أي ألا يُصبح كل مُنتِجٍ مُعاقَبا في هذا البلد، وكل مُستَهلِكٍ مُشَجَّعا على الزيادة في الاستهلاك ومُدَعَّما بطريقة أو بأخرى...
صوت المنتجين ينبغي أن يرتفع عاليا اليوم وأن يُعزَّز، وعلينا أن نقف إلى جانبهم في أي مستوى كانوا وفي جميع الحقول من الزراعية إلى المعرفية، والبداية تكون من عدم بقائنا غير مبالين بما يتعرضون له من عقاب وخسارة وتهميش، باعتبار جوهر الإنتاج واحدا في الحقول أو العقول... علينا ألا نتصرف جميعا بغريزة المستهلكين إنما أن نقترب من منطق المنتجين ونَضع أنفسنا في موقعهم ونُدرك حقيقة وأبعاد سكوتنا عن واقعهم هذا حق الإدراك...
هل كان المُنتِج الفلاحي سيعرف خيبة الأمل التي يعرفها اليوم لو تمَّت مواكبته بأفكار مُبتَكَرة في مجالات التصنيع والتخزين والتصدير والتعامل مع السوق؟ هل كان سيحدث له ما يحدث لو لم نُفكِّر جميعا بغريزة الاستهلاك؟
أليست الحالة التي وصل إليها هي نتيجة تغييب مثل هذه الأفكار والاكتفاء بتشجيع ومسايرة المنطق الغالب وهو جاهزيتنا لأن نكون مستهلكين باستمرار وأن نُدافع عن حالنا تلك، ولو كان فيها نهايتنا على المدى البعيد؟
لماذا لا ترتفع اليوم الأصوات لدعم الفلاح والوقوف إلى جانبه والتعاطف معه قبل أن يغادر هو الآخر عالم الإنتاج ويتحول إلى مجالات الاستهلاك الطفيلية كغالبية الناس، وما أكثرها؟
هل سننتظر المواسم القادمة، عندما يَعزِف كل منتج على الإنتاج لترتفع أصواتنا مرة أخرى مُندِّدة بالندرة وبارتفاع الأسعار، ناسين أننا نحن مَن ساهمنا في ذلك بتصرفنا كمستهلكين أنانيين غير مبالين بحقيقة سكوتنا عن خسارة الفلاح وكل مُنْتِجٍ اليوم...