موافقة أولياء على هجرة أبنائهم القُصَّر بطريقة غير شرعية نحو شواطئ إسبانيا ينبغي أن تستوقفنا جميعا، ذلك أننا إذا كُنَّا نجد تفسيرا أو تبريرا لهجرة شباب في مُقتبل العمر أو حتى شيوخ إلى الخارج لسبب أو لآخر، فإننا سنقف مندهشين أمام قبول أم أو أب برَمْي ابنه في البحر على أمل أن يلتحق بأحد مراكز الإيواء الخاصة بالقصّر هناك.
الأمر لا يزيد عن احتمالٍ واحد في هذه الحالة: أن اليأس بلغ درجة كبيرة لدى شريحة من المواطنين حتى باتت مستعدة للرمي بأبنائها في البحر، وعلينا أن نقف عند ذلك مليا.
أليس بإمكان مواطن يقبلُ برمي فلذة كبده في البحر أن يفعل كل شيء مقابل وعد بحياة أفضل؟ هل بقي من شيء يمكننا من خلاله وعد هذا المواطن به ليتخلى عن قناعته بأنه لا أمل في هذه البلاد؟
يبدو لي أن هذه رسالة قوية إلى أعلى السلطات للانتباه إلى خطورة الحالة المادية والنفسية التي وصلت إليها بعض الشرائح الاجتماعية، وإلى مراجعة الكثير من الحسابات بشأن التكفل بالفئات الهشة والمحرومة، والنزول من برجها العاجي وهي تنظر إلى الواقع الذي يعيشه الناس. ليست هذه حالة مَرضية أو عارضة، إنما هي إشارة خطيرة حاملة للمستقبل ينبغي التقاطها لقياس درجة اليأس الذي وصلت إليه بعض الأسر الجزائرية حتى أصبحت مستعدَّة لتفضيل خيار المخاطرة بالموت لأبنائها مقابل بعض الأمل في الحياة، على خيار الإصرار على المقاومة والبقاء مقابل يأس تام من الحياة.
لذلك نقول للذين أنستهم انشغالاتهم الكثيرة ومشاريعهم الكبرى ومشكلاتهم السياسية وحساباتهم السلطوية، هموم مواطنين وصل بهم اليأس إلى هذه الدرجة أن ينتبهوا إلى حالهم وحال الجزائر. الجزائر ليست فقط ورشات تركيب سيارات، وليست فقط رخص استيراد، وصراعات حول من يستفيد من مشاريع بالملايير، وليست فقط كيف نضبط قائمة أعضاء برلمان أوفياء، أو أعضاء حكومة طَيِّعين، أو مسؤولين هنا وهناك لا يعرفون قول كلمة لا... إنما هي هذا المواطن الذي سُدَّت في وجهه الأبواب وأصبح مستعدا للدفع بأبنائه نحو الهجرة غير المشروعة وهو راض بذلك.
هذا الذي يهمّنا اليوم وينبغي أن يكون موضوع استقطاب الرأي العام والسلطات ووسائل الإعلام وموضوع تحليل المحللين ودراسة الدارسين، بل وينبغي أن يتم التحقيق فيه على أعلى المستويات، قبل التحقيق في الحرائق وفي وضعية المستشفيات، والمدارس والطرق والأسواق... ذلك أن الأمر يتعلق هنا بسلوك غير طبيعي للإنسان، سلوك ضد الفطرة وضد حتى الغريزة الحيوانية، فضلا عن روح الدين والأخلاق. لا مجال للسكوت عنه إذا كنا بحق نسعى للإصلاح في هذا البلد.