في مفاجأة من العيار الثقيل أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تحت إشراف ريكس تيلرسون بيانا تحذيريا لمواطنيها، يحذر من مخاطر السفر للقاهرة ، متجاهلا جهود الجيش المصري في مكافحة الإرهاب ،ولعل توقيت البيان الذي يتوافق مع الأزمة القطرية التي تعد مصر من أهم اطرافها يثير تساؤلات حول ما إذا كان نوعا من الضغط على القاهرة لتخفيف موقفها من الدوحة أم هو موقف عام من مصر، رغم أن المسئول الأمريكي كان قد أكد خلال لقاء سابق مع الرئيس عبد الفتاح السيسي في شهر ابريل الماضي على اهمية الشراكة والتعاون الاستراتيجي مع مصر وخلال البيان حذرت وزارة الخارجية الأمريكية،مواطنيها من مخاطر السفر إلى مصر بسبب ما وصفته بتهديدات إرهابية من جماعات العنف

وقالت ، في البيان الذي نشرته السفارة الأمريكية بالقاهرة، إن الإرهابيين لا يزالون يهددون الأقليات الدينية في مصر ويهاجمون المواقع والأشخاص المرتبطين بالكنيسة القبطية، ويمكن أن تحدث هجمات إرهابية في أي مكان في البلد، بما في ذلك المناطق الحيوية، وفقا لزعمها

واشار البيان إلى أنه في مطلع مايو الماضي، هدد تنظيم داعش باستهداف الأماكن المرتبطة بالأجانب والمسيحيين والجيش والشرطة المصرية والمرافق الحكومية في أي وقت.

ووصف البيان سيناء بأنها منطقة خطرة بشكل خاص، في ظل تكرار الهجمات على قوات الأمن والمدنيين, كما أكد وجود تقارير بهجمات على قوات الأمن في الصحراء الغربية، وأنه لأسباب أمنية، يحظر على موظفي البعثة الأمريكية السفر إلى الصحراء الغربية وشبه جزيرة سيناء.

وحذرت الخارجية الأمريكية موظفي السفارة من السفر برا في أي مكان في شبه جزيرة سيناء، لكنها سمحت لموظفي البعثة الأمريكية بالسفر من وإلى شرم الشيخ عن طريق الجو، كما حظرت على موظفي البعثة زيارة الأماكن الدينية خارج القاهرة الكبرى.

وكان رد الخارجية المصرية سريعا على هذا البيان المجحف ،حيث كلف وزير الخارجية السفارة المصرية في واشنطن بنقل رسالة استياء الى الخارجية الأمريكية من الصياغة الجديدة لإرشادات السفر إلى مصر.

وصرح المستشار أحمد أبو زيد المتحدث باسم وزارة الخارجية، بأن وزير الخارجية سامح شكري كلف السفارة المصرية في واشنطن بنقل رسالة استياء للخارجية الأمريكية للصياغة المستخدمة في بيانها الخاص بتحديث إرشادات السفر إلى مصر، والصادر يوم ١٩ يوليو الجارى.

وأوضح، أن السفارة فى واشنطن قامت بنقل الرسالة إلى الجانب الامريكى، مؤكدا أن ما تضمنه بيان ارشادات السفر من ذكر أحداث إرهابية وقعت منذ سنوات دون الإشارة إلى تاريخ حدوثها، يعطي انطباعاً خاطئاً لمن يقرأ البيان بأنه يشير إلى هجمات إرهابية حديثة, كما أن التمييز بين جماعات إرهابية وما يُسمي بجماعات معارضة سياسية عنيفة ،تمييز غير مقبول،وفقا لوصف الخارجية المصرية، نظراً لأن كل جماعة سياسية تستخدم العنف هي جماعة إرهابية، فضلا عن كوّن البيان يشير إلى أن الهجمات الإرهابية يمكن أن تحدث في أي مكان في مصر، وهي إشارة تفتقد الدقة وتعطي انطباعا سلبيا خاطئا عن الوضع الأمني فى مصر، بل وتتعارض مع إشارات أخرى واردة فى البيان ذاته تشير إلي أن سلطات الأمن المصرية تكثف من تواجدها فى المناطق السياحية والمناطق الاستراتيجية

واختتم المتحدث باسم الخارجية تصريحاته، مبديا الاندهاش لكون الخارجية الأمريكية تصدر مثل تلك البيانات التى تحذر من السفر الى مصر، فى الوقت الذى لا تتعامل فيه بنفس الأسلوب مع دول أخرى تتعرض لهجمات واعتداءات إرهابية مماثلة، معلقا بأنه كان من المتوقع المزيد من التضامن مع مصر فى مثل تلك الظروف.

اللافت فى الأمر أن وزير الخارجية المريكى تيلرسون الذي أعلن التدخل بنفسه في الأزمة الخليجية من أجل التوصل لحل سريع ،لم يتخذ موقفا حاسما من قطر رغم تأكيد رئيسه دونالد ترامب على أنها ترعى الإرهاب ، واكتفى بدعوة كلا من السعودية والبحرين والإمارات ومصر إلى رفع الحصار البري عن الدوحة كبادرة حسن نية، مشيرا إلى أن هذا الحصار ترك آثارا سلبية كبيرة على الشعب القطري.

وأعرب الوزير الأمريكي عن أمله أن تنظر الدول الأربع إلى دعوته بجدية، مشيرا إلى استعداده للجلوس معها والتفاوض ومناقشة المطالب.

وشدد تيلرسون من جهة أخرى على أهمية احترام سيادة وكرامة البلدان الخمسة جميعا في تلك المناقشات, والأكثر من ذلك غرابة أنه أبدى رضاه التام عما تقوم به قطر لحل الأزمة حيث أوضح أنها تنفذ بنود مذكرة التفاهم التي وقعتها مع الولايات المتحدة لمعالجة العديد من القضايا المرتبطة بدعم الإرهاب وتمويله ومكافحته، مشيرا إلى أنهم كانوا جديين جدا في تنفيذ ذلك الاتفاق، مدعيا أن المسئولين الأمريكيين راضون عن الجهد الذي يبذلونه، علما بأن قطر لم تقم بفعل شيء سوى تعديل لقانون مكافحة الإرهاب ، والذي لم يأت بجديد حتى الآن.

وقبل ذلك كان تيلرسون قد جاء في زيارة للخليج في إطار ما أسماه الجهود المبذولة لحل الأزمة ، إلا أنه غادر المنطقة بعد لقاء المسئولين بأطراف الأزمة دون إحراز أي تقدم لإنهائها.

كما رفض تيلرسون الرد على الأسئلة بعد اجتماعه بأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني لمناقشة النزاع ، كما أن مباحثات تيلرسون مع وزراء خارجية الدول المقاطعة قد انتهت في مدينة جدة السعودية، دون التوصل إلى حل للأزمة الحالية المستمرة منذ أكثر من شهر

والسبب على ما يبدو أن الدول الأربعة ( مصر و الإمارات والسعودية والبحرين) أكدت أن مذكرة التفاهم التي تم توقيعها بين واشنطن والدوحة غير كافية ،لاسيما أن الأخيرة لها سابقة في عدم الالتزام بتعهداتها ، كما أكدت القاهرة معبرة عن لسان حال الدول الثلاث الأخرى أن حل الأزمة منوط باتخاذ قطر اجراءات واضحة ومحددة.

والمتابع لتحركات تيلرسون وتصريحاته في المنطقة يجد أن هدفه على الأرجح محاولة إقناع الدول الأربع بالتراجع عن قرار المقاطعة ،إلا أنه لم يمارس أي ضغوط على الدوحة التي كانت أفعالها سببا في تفاقم الأزمة ، كما أن إصرارها على عدم تنفيذ مطالب الدول الأربع سببا في التعنت معها ،وربما زاد لقاء تيلرسون مع المسئولين القطريين من صلابة موقفهم ، حيث كانوا قد أظهروا بعض المرونة ، واستعدادهم للتفاوض، لكن بعد لقاء المسئول الأمريكي قرروا عدم مناقشة المطالب كلية.

مواقف تيلرسون تبدو مختلفة عما أظهره في شهر أبريل الماضي خلال لقايه بالرئيس عبد الفتاح السيسي بمقر إقامة الرئيس بالعاصمة الأمريكية واشنطن خلال زيارته للبيت الأبيض بدعوة من الرئيس ترامب.

حيث أكد المتحدث الرئاسي حينها أن وزير الخارجية الأمريكي رحب بزيارة الرئيس إلى واشنطن، مؤكدا التزام الإدارة الأمريكية الجديدة بدعم مصر وشعبها، والجهود التي تبذلها من أجل مكافحة الارهاب وتحقيق التنمية الاقتصادية، وهو الأمر الذي لم يحدث خلال الأشهر الماضية، وأكد عكسه البيان الأخير.

وكان تيلرسون قد رحب بما شهده لقاء السيسي وترامب من مباحثات بناءة وإيجابية، مؤكدا حينها انه سيعمل على متابعة نتائج هذا اللقاء والتنسيق مع الجانب المصري من أجل تحقيق الانطلاقة الجديدة فى العلاقات التي يتطلع الجانبان إلى تحقيقها وتفعيل الحوار الاستراتيجي وأطر التعاون بين البلدين فى مختلف المجالات.

وأشاد وزير الخارجية الأمريكي وقتها بالجهود التي تبذلها مصر لدعم مساعي التوصل إلى تسويات سياسية للأزمات القائمة، وخاصةً فيما يتعلق بالأزمة الليبية، كما أكد تطلعه لتعزيز التشاور مع القاهرة فيما يتعلق بعملية السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، والتباحث حول الدفع قدما بجهود إحياء المفاوضات بينهما.

لكن الشهور الماضية أثبتت كذب تيلرسون لأنه لم ينفذ أي شيء مما وعد به من دعم جهود مصر ، بل على العكس كان رأيه دائما مخالفا لراي رئيسه دونالد ترامب فيما يتعلق بموقف مصر من قضايا الإرهاب ، ولاسيما فيما يتعلق بأزمة قطر.