يظهر عكس ما يبطن .. يمدح فيهم نهارا وينال منهم ليلا .. لا يترك مناسبة إلا ويعلن فيها وقوف دولته بجانب مصر.. لكن فى الخفاء يفعل عكس ذلك.. هذه هو الدور الذى يلعبه جون كاسن سفير بريطانيا فى مصر.. المتابع للسفير البريطاني يظن للوهلة الأولى أنه شخصية محبة للمصريين ،وأن تقاريره عن البلاد إيجابية دائما، وتسير في اتجاه تحسين العلاقات بين القاهرة خصوصا أنه يجيد اللغة العربية ودائم التواصل مع الشعب المصري ،سواء من خلال لقاءاته مع مختلف أطياف الشعب أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي التي يهتم للظهور فيها باستمرار والتعقيب على كل ما يحدث في مصر أو الذهاب إلى إحدى حاراتها والجلوس مع بسطاء الشعب أو تناول فطاره على إحدى عربات الفول فى الأماكن الشعبية.. لكن الواقع عكس ذلك تماما فبلاده لا تزال تحظر على مواطنيها السفر إلى شرم الشيخ ،رغم كل التطمينات التى تقدمها مصر للسياح الأجانب بين الحين والآخر.

وإذا فكرنا في السبب لا يمكن إلا أن تكون تقارير السفير البريطاني في مصر التي يرسلها إلى بلاده حول الوضع الأمني في شرم الشيخ هى العامل الرئيسى فى عملية حظر السفر وما يبرر ذلك أن لندن تسمح برحلات الطيران السياحية إلى أماكن أكثر خطورة وأقل استقرارا من القاهرة.

الأمر الغريب أيضا هو إصرار بريطانيا على قرار حظر الرحلات السياحية إلى شرم الشيخ رغم أن مئات المواطنين البريطانيين كانوا قد وقعوا على عريضة على موقع البرلمان البريطاني في يناير الماضي تطالب الحكومة برفع الحظر المفروض على الرحلات البريطانية إلى شرم الشيخ.

وذكر الموقعون على العريضة التي حملت عنوان "نحن المواطنون البريطانيون نطالب بالحق للسفر إلى شرم الشيخ" وكتبها وقدمها فيليكس ماكماهو، وجاء فيها: "إنهم يطالبون كمواطنين بريطانيين برفع القيود المفروضة على جميع رحلات المملكة المتحدة إلى شرم الشيخ.. ونحن على استعداد للسفر وحجز رحلات لقضاء الأجازات"

ووقع على العريضة أكثر من 1700 شخص في يناير فقط.. لكن الحكومة لم تستجب لطلباتهم.

الأمر الذي يؤكد أن تقارير جون كاسن حول الوضع الأمنى في مصر بشكل عام وشرم الشيخ بشكل خاص، كانت سلبية وسببا رئيسيا فى وقف سياحة بلاده إلى القاهرة هو ما ذكره الكاتب الأمريكي بيتر هيسلر في مقاله بصحيفة ذا نيويوركر الأمريكية ،حيث قال إنه جلس في الطائرة بجانب السفير البريطاني ،خلال توجههما إلى لندن لحضور فعاليات زيارة الرييس السيسي إلى بريطانيا ،وأضاف أنه عندما جلس بجانب "كاسن"، لم يبد أنه كان يفكر في الأهداف الاقتصادية لزيارة السيسي.

وأضاف فى مقاله: كان كاسن يدرس ملخصا لتقرير من تقارير مؤسسة كارنيجي بعنوان تصاعد التمرد الإسلامي في مصر، وأشار التقرير الذى كان يقرأه السفير إلى عدد الجنود المصريين الذين قتلوا في سيناء خلال السنتين الأخيرتين. و قال السفير كاسن لـ "هيسلر" إن العدد أكبر من سبعمائة، وهو عدد أكبر من عدد الجنود الذين فقدناهم في حرب أفغانستان كلها حيث قتل حوالي 450 جنديا بريطانيا في حرب أفغانستان

وقال هيسلر إن كان كاسن قد علم، أن المحللين البريطانيين يعتقدون أن الطائرة الروسية قد سقطت بسبب قنبلة زرعها عناصر داعش، و ظلت هذه المعلومة سرا على الرغم من أن ديفيد كاميرون الذي كان رئيسا لوزراء بريطانيا حينها قد هاتف السيسي ليخبره بها. وأضاف هيسلر أنه بعد ذلك بأشهر، أخبره كاسن أن الأزمة قد اتضحت في التو واللحظة.

هذه الرواية تؤكد أن تقرير كاسن كان سلبية للغاية واعتمد على عدة تقارير سلبية أيضا وغالبيتها أجنبية، ولا ننسى أن كارنيجي الذي كان يقرأ أحد تقاريرها السفير عن مصر هو أحد مراكز الأبحاث الكبرى التي تمول من قطر والتي دائما ما تعد تقارير مغايرة للحقيقة عن مصر ، بينما في الأغلب لم يلجأ السفير البريطاني لأي من التقارير المصرية حول الأوضاع الأمنية خصوصا فيما يتعلق بتأمين السياح.

ومن اللافت أيضا أنه مع اقتراب رفع تعليق الرحلات الروسية إلى مصر، نشرت صحف بريطانية من بينها صن وديلى ميل عدد من التقارير التى تدعى خلالها أن كثيرين من السائحين أصيبوا بحالات تسمم غذائى خلال الفترة الماضية.

ورغم وجود عدد من الدول، من بينها أسبانيا وتركيا، ضمن بيانات الموقع بشأن إصابة السائحين بحالات تسمم، إلا أن تقارير الصحف البريطانية تعمدت إلقاء الضوء على مصر دون غيرها، حيث كان عنوان صحيفة ديلى , هل تريد أن تقضى إجازة شتوية بدون الإصابة بمرض؟ إذن تجنب الذهاب إلى مصر، داعية البريطانين إلى عدم اختيار مصر ضمن مقاصدهم السياحية.

وتأتى هذه التقارير فى توقيت غريب، بعد قطع مصر شوطا واسعا فى طريق تطوير إجراءات تأمين المطارات، وإشادة عديد من اللجان الدولية بتلك الإجراءات، وفى مقدمتها اللجان الروسية.

واعتمدت التقارير البريطانية ـ غير المبررة ـ على تقارير سرية من السفير البريطانى فى القاهرة وهى المعلومات نشرها موقع تابع لشركة تعويضات خاصة بالأزمات التى تقع للسائحين، يدعى سيك هوليداي الذى تطرق إلى 10 دول من بينها إسبانيا وتركيا ومصر.

وزعمت البيانات المذكورة، أن مصر تتصدر القائمة كأكثر الدول التى سجلت حالات تسمم غذائى بين السياح البريطانيين، بواقع 12353 حالة خلال خمس سنوات، أما أسبانيا، بما فى ذلك جزر الكنارى وجزر البليار، فجاءت فى المرتبة الثانية، وبلغ عدد حالات ألم المعدة بها 3732 حالة، تليها تركيا بينما بلغ 3672 حالة تسمم فى مارماريس، ثم المكسيك بـ1857 حالة، ثم الدومينيكان 1385 حالة، وتونس 1224، واليونان 828، والمغرب 533، وبلغاريا 462 وكوبا 462 حالة.

وفي إشارة جديدة إلى ان السفير البريطاني يخفي وراء وجهه الباسم ،نوايا خبيثة ضد مصر ،كانت وزارة الخارجية المصرية قد استدعته لإبداء اعتراضها الشديد على ما صدر منه من تصريحات تتعلق بأحكام السجن الصادرة ضد صحفيي قناة الجزيرة في عام 2015.

واعتبرت مصر تصريحات السفير البريطاني وقتها تدخلا غير مقبول في أحكام القضاء المصري، حيث قال وقتها إن الأحكام الصادرة سوف تقلل من الثقة في الخطوات التي تقوم بها مصر نحو تحقيق الاستقرار بناءا على تنفيذ الحقوق المنصوص عليها في الدستور المصري.

ولم يكتف كاسن بإرسال التقارير المغلوطة إلى بريطانيا، بل تعمد نشر التصريحات السلبية عن مصر من قبل المسئولين البريطانيين ، على موقع السفارة البريطانية بالقاهرة ، وكأنه يريد التأكيد عليها ، حيث كان قد نشر تصريحا أعرب خلاله توباياس إلوود، وزير شئون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا البريطانى السابق، عن قلقه مما وصفه بالتضييق المتنامى على المجتمع المدنى فى مصر، وإعادة فتح إحدى القضايا ضد عدد من الجمعيات المصرية المدافعة عن حقوق الإنسان، على حدةتعبيره.

وأشار بيان السفارة البريطانية حينها، إلى أن الوزير البريطانى استكمل تصريحاته بأن مصر ملتزمة بموجب دستورها لسنة 2014 بالسماح لمنظمات المجتمع المدنى بالانخراط فى نشاطها بكل حرية، معتبرا أن القيود والعقوبات تتنافى مع ذلك وتقوض الثقة الدولية فى عملية الانتقال السياسى فى مصر، مختتما تصريحاته بحث الحكومة المصرية على العمل مع منظمات المجتمع المدنى، تطبيقا للحقوق التى ينص عليها الدستور المصرى، والسماح للمنظمات غير الحكومية بالعمل بحرية.

يذكر أن كاسن استلم مهام منصبه في شهر أغسطس 2014 ، حيث انتقل إلى القاهرة بعد عمله سكرتيرا خاصا للشئون الخارجية لرئيس الوزراء خلال الفترة من 2010 إلى 2014, وقد حصل على وسام قائد القديس مايكل والقديس جورج ضمن قائمة التكريم بمناسبة عيد ميلاد جلالة الملكة عام 2014.

ووفقا لموقع السفارة البريطانية فإنه شغل منصب نائب السفير في الأردن ومدير إدارة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا بوزارة الخارجية، إلى جانب مرافقته لرئيس الوزراء البريطاني السابق في زيارته إلى مصر عام 2011. وخلال الفترة من 2002-2005 شغل منصبا كبيرا، هو منصب التواصل السياسي في الولايات المتحدة، من خلال عمله بالسفارة البريطانية في واشنطن. كما شغل منصب كبير المستشارين بالشئون السياسية لوزارة الخزانة في بعثة المملكة المتحدة لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسيل، وقبل التحاقه بالعمل الحكومي كان مساعد أبحاث بجامعة كامبريدج وفي مجلس العموم.