كنت مترددا في وسم التوجه الاقتصادي في الجزائر بالتوجه الماركسي، لاسباب عديدة ابرزها أن السياسيات الاقتصادية المتلاحقة فاقدة للملامح، زئبقية البنية، حيث لا يمكن تحسُّسها ولا قياس مؤشرات آدائها، وعشوائية حدَّ إصابة متتبِعِها بالدُّوار.
كما أنَّ تعطل هذه السياسات وعجزَها المزمن عن تحقيق الوثبة الاقتصادية المنشودة، رغم عديد العمليات الجراحية التجميلية، يذكرني بقصة طريفة جابت العالم، عن احتجاز ثلاث فتيات صينيات اجرين عمليات تجميل وقد علِقن بالمطار، لعدم تشابه ملامح وجوههن الجديدة مع صورهن في الجوازات، لكنني مُصرٌّ رغم عدم اقتناعي (تاغنانت جزائرية خالصة) أن أصفه بالماركسي، لانه يذكرني أيضا بمقولة ماركس الشهيرة : التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة، ومازلت اعتبره ماركسيا حتى عندما قال ماركس عن نفسه: أنا لست ماركسيا. ولأن إِعمال العقل يبدو المسار الأكثر عقلانية لفهم الحالة الجزائرية، ذرونا في هذه السانحة نمارس التساؤل من أجل التفكير: ما الذي قد يكون أكثر إثارةً وتحفيزًا من حَفنة من أوراق نقدٍ جديدة تمامًا لم تُثْنَ قط؟ والحقيقة أن السؤال مقتبس من السيد "كلاوس بيندر"، الاقتصادي والصحفي الالماني، مراسل صحيفة فرانكفورتر الجماينه تسايتونج العريقة، في كتابه الرائع "صُنّاع النقود (العالم السري لطباعة أوراق النقد ) وهو واحد من الكتب التي شيَّعناها الى مثواها الاخير كجزء من مشهدنا الثقافي المترنِّح، خاصة وأن طباعة النقود عندنا لم تعد سرية، بل أضحت محطة تقاطعت فيها الروح الماركسية مع عبق التاريخ اليوناني القديم وبالضبط في منتصف القرن السابع قبل الميلاد في عهد الملك كرويسوس، عندما بدأ صك النقود،وأمام هذا الوضع الجديد شخصيا لم أجد حلا سوى الابتهال ألا نستطرب كثيرا التجربة اليونانية، والتي تميزت عملتها بوزن مختلف من مدينة الى اخرى وهو ما كان محل سخرية وتهكم في ذلك العصر ولأنني ملهم بجملة دولة الوزير الأول من قبة البرلمان (احمدو ربي لقينالكم الحل)، فقد قررت بيني وبيني تسمية العملة الجديدة أوسولوسيوس (من كلمة solution وتعني الحل(تيمنا بنقود اوبيلوس المعدنية والتي تستمد منها عملة إسمها أوبول، يبلغ طولها 1.5 متر وقديما قالوا (طويل بلا خصلة) .
ولنبقى في أثينا، فقد عاشت اليونان ازمة مالية خانقة في عام 406 قبل الميلاد، ولنسلم فرضا بأن التاريخ يعيد نفسه ولكن هذه المرة بشكل مأساوي، فقد ذكر المؤرخون آنذاك "أن ولادة النقود في اليونان على نطاق أوسع لم تكن دون سبب بل مدفوعا بضرورة الدفع للجنود. وكان هؤلاء المحاربون يتطلبون طريقة ملائمة لتحمل أجورهم" وهنا لا يمكنني سوى استحضار مقولة دولة الوزير الأول أنّ "اللجوء إلى التمويل من طريق اقتراض الخزينة من البنك المركزي «ليس خياراً»، بل «حتميّ» بهدف إعادة بعث الاقتصاد الوطني والحفاظ على وتيرة التنمية في البلاد "مع الأخذ بالعلم أن اغلب المعنيين بدفع الاجور هم ثلة من أبناء الجزائر الكادحين وبناتها الكادحات، ممن وهبوا شبابهم وأعمارهم وطاقتهم كل في مجاله، خدمة للوطن واقتصاد الوطن الذين عصفت بهم خطب السرد السوسيولوجية، المفعمة بالعنتريات والعيش في التاريخ واجترار الماضي الأليم، لممارسة التبرير وتعزيز الانسياق، في وطن ضاع فيه مسار بناء العقلية العلمية والفكر الناقد،حتى كثر المنساقون ممن تسمَّروا أمام شاشات قراءة الابراج والطالع السياسي، والتنظير الاقتصادي المفقتد لادنى أبجديات الاقتصاد ومن يتوهم حصد النتائج قبل العمل، فلن يحظى بهذا المشهد الا في القاموس كما نبَّه ذات يوم عملاق الاستثمارات العقارية، الكاتب الامريكي الشهير آرثر بريسبين : "القاموس هو المكان الوحيد الذي تأتي به كلمة " نجاح" " success" قبل كلمة عمل " work" . أمام هذا المشهد النيوتكنو- كولونيالي، في التعامل مع الازمات وكل الاصوات العاقلة الداعية إلى تصحيح المسار، فإن كل جزائري غيور على الوطن سيرافع عن الكفاءات واعتماد النظريات العلمية لحل المشاكل ومعالجة الازمات، وعالم اليوم الذي اجتهد في كفالة الحقوق ويتغنى بحميايتها، كفل حتى حق المجازفة، الذي عبر عنه جان جاك روسو بالقول: كل فرد يملك الحق في المجازفة بحياته حتى ينقذها، لكن المجازفة باقتصاد الجزائر، ليس من حق أي أحد، لكن ها هي مقولة ألمانية خالدة، للملك فريديريك الاكبر تقاطعني: "لقد انتهيت أنا وشعبي إلى اتفاق يرضينا جميعا، يقولون ما يشتهون وأفعل ما أشتهي"، ومن قال أننا لا نعيش على الطريقة الألمانية (طبعا، ما عدا الاقتصاد).